بقلم: همس اليافعي
في المشهد الإعلامي اليوم، لا تُصاغ الوقائع كما هي، بل كما يُراد لها أن تُفهم. وفي زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح وحده، أصبحت الكلمة أداة قادرة على منح الظلم شرعية، وجعل الرواية المزوّرة تبدو منطقية… بل ضرورية.
الجنوب ليس استثناءً من هذه المعركة.
فهنا تتحول الكلمة من أداة نقل إلى أداة إقناع، وتُقدَّم أحداث معقّدة على أنها المسار “الصحيح” الوحيد، وتُختزل المعاناة في عناوين مضلّلة.
اليوم، تُشنّ علينا حروب إعلامية ممنهجة، هدفها تشتيت الوعي، وتضييع الحق وسط الضجيج، ودفع الناس إلى أخطر نقطة يمكن أن يصل إليها أي شعب: أن يعتاد ما يحدث، وأن يُقنع نفسه بأن الصمت عقلانية، وبأن ما يُفرض عليه هو “الواقع الوحيد الممكن”.
تُدار هذه الحرب عبر استهداف متعمّد لشخصيات فاعلة، وضرب الثقة العامة، وبثّ الإرباك والفتنة داخل الصف الواحد. فهم يدركون أن أي مجتمع متماسك، واعٍ، وقادر على قراءة ما يُعرض عليه بوعي نقدي، يصعب كسره أو دفعه نحو الفوضى.
لذلك يحاولون كسرنا من الداخل: بالكلمة، بالاتهام، وبالافتراء.
غايتهم أن يقتنع الجنوبي بأن ما يعيشه اليوم هو الصواب، وأن أي اعتراض تهوّر، وأي صوت مختلف فوضى، وأن يتحول الصمت إلى فضيلة، والقبول بالأمر الواقع إلى وعي زائف يُسوَّق على أنه حكمة.
لكن ما يجب قوله بوضوح:
هذه ليست حرب روايات فقط، بل حرب على الذاكرة، وعلى دماء لم تجف، وعلى تضحيات لم تكن عبثًا. وحين نواجه هذه الحرب الإعلامية، فنحن لا ندافع عن رأي، بل ننتصر لشهدائنا، ونرفض أن يُعاد تعريف تضحياتهم بخطاب مزيّف أو تحليل مستورد.
الحرب الإعلامية اليوم، خصوصًا في فضائها الرقمي، لا تحتاج جيوشًا. تغريدة، مقطع مجتزأ، صورة بلا سياق، أو حملة منسّقة، كفيلة بأن تُقنع شعبًا بأن ما يُمارَس عليه هو الصواب.وهنا يقف الجنوب أمام اختبار حقيقي:
إما أن ينقاد لهذا الإقناع الممنهج، أو أن يعي… ويواجه.
والمواجهة لا تبدأ بالصراخ، بل بالوعي: بعدم التلقّي الأعمى، وبمساءلة ما يُقدَّم لنا على أنه “الحل” أو “الصح”، وبطرح السؤال الأهم:
لمن هذا الخطاب؟ ولمصلحـة من؟ثم يأتي دورنا الأهم:
أن ننقل الواقع كما هو، لا كما يُعاد تأطيره.
أن نحكي قصتنا نحن، لا كما يُراد لها أن تُفهم.
وأن نُظهر الجنوب بألمه، وصبره، وكرامته، ووعيه الذي يرفض تزوير المعنى.
هذا النص ليس توصيفًا فقط، بل دعوة للمجابهة الواعية، وتسمية الأشياء بأسمائها، ورفض أن يُعاد تعريف الحقيقة نيابةً عنا.
وانتصارنا الحقيقي أن نبقى شعبًا لا تُعرّفه شاشات معادية، ولا تصنع وعيه حملات مدفوعة، بل يصنعه تاريخه، وألمه، وشهداؤه، وذاكرته التي لا تُمحى.
|